أبي منصور الماتريدي
392
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ . وعلى قول المعتزلة : لا يقدر أن يفعل ما يشاء ؛ لأنهم يقولون : شاء إيمان جميع البشر ؛ ولكنهم لم يؤمنوا ؛ وكذلك قال : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 106 ] وهم يقولون : أراد إيمانهم ؛ لكنه لم يفعل ما أراد ؛ ولا يملك ، وقد أخبر أنه : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و ما يَشاءُ وهم يقولون : لم يملك [ أن يفعل ] « 1 » ما شاء وأراد ، بل العباد يقولون ما شاءوا غير ما شاء هو ، فتأويلهم خلاف لظاهر القرآن . والله أعلم . وقوله : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ يشبه أن يكون هذا صلة قوله : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً على تأويل من يقول : إن الكلمة الطيبة هي القرآن ، يكون القول الثابت هو القرآن . يقول - والله أعلم - يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا ؛ حيث تلقوه بالإجابة والقبول والعمل به ، وفي الآخرة ؛ أي : بالآخرة والبعث ؛ يقرون به ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ؛ حيث تركوا الإجابة له ، وتلقوه بالرد ، والمكابرة ، والعناد . ومن يقول : الكلمة الطيبة : التوحيد والإيمان - يكون القول الثابت : هو الإيمان ؛ يثبتهم في الحياة الدنيا باختيارهم ؛ وفي الآخرة ، قيل : في قبورهم ؛ يثبتهم لإجابة منكر ونكير ، ويمكن لهم ذلك ، ويضل الله الظالمين الذين تركوا الإجابة له في الحياة الدنيا وفي القبور ؛ حيث تركوا الإجابة في الدنيا . ويحتمل أن يكون قوله : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ؛ هو ما ذكر ، وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ يونس : 25 ] ثبت من أجاب الله إلى ما دعا في الدنيا ، وفي الآخرة يهديه الطريق الذي به يوصل إلى دار السلام ، والكافر حيث ترك إجابته إلى ما دعاه ، ويضله في الآخرة طريق دار السلام ؛ بترك إجابته في الدنيا . والله أعلم بذلك . وقوله : وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ في هداية من اختار الإجابة والاهتداء ، وإضلال من اختار ترك الإجابة والغواية . قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 28 إلى 30 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 29 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ( 30 ) وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً .
--> ( 1 ) سقط في أ .